
فى ظلمة الليل ظهرت,هذا الجسد الراقد على الأرض,ساكن كأنه مثبت بمسامير,تهب الرياح فتطير ملا بسها المتسخة الممزقة,تكشف عن ساقيها النحيلتين كأعواد الثقاب,وتتساقط أوراق الشجر فى خريف الصمت والسكون.
تحرك .. تحرك هذا الجسد النحيل .. تحرك بفعل الهواء المتغلغل داخل جسمها,رفعت رأسها ببطء فتداخل مع خصلات شعرها,شتان بين الدمية وما أرى الآن,أوقفت كل شىء حولها,جعلتنى لا أرى سوى حركاتها البطيئة,تداخلت عينى مع نظراتها,لكنها أكملت كأنها لا ترانى,مازالت عينى تتأمل ملا محها الجميلة,عقلى يسأل ماذا أتى بهذا الملا ك إلى هنا؟ وهل هى بشرية أم ملاك هبط من السماء؟ شعرها الأسود كظلمة الليل يخطفنى,يسرقنى,يسحرنى,يمزقنى من داخلى ويتركنى.
نقطة .. نقطة بيضاء فى ظلام دامس,تتحرك داخل صندوقها الزجاجى,لا تسمع مايدور خارجه,مشاجرات,خيانة,حب,صداقة,روتينية وأشياء وأشياء,لكنها داخل عالمها الخاص,عالمها أكبر منى ومنها.
تطير .. هل هى تطير؟ إنها ترتفع عن الأرض ببطء .. هل أنا أرى ذلك أم أريد أن أرى ذلك؟ فأراها تطير,تعلو وتعلو وتبتعد .. تطير بلا أجنحة,كم تمنيت أن أحطم هذا الحاجز الزجاجى .. لكنى لا أريد,سيتلون هذا الكائن الأبيض بألوان الزيف,سيلطخه أحمر الدم وأصفر الحقد وسواد القلوب,سأترك ذهنها خالى من الشوائب .. سأتركها تعلو فوق القلوب الهشة والعقول المكتظة بالأفكار,إنها تعلو فى السماء الآن,أصبحت بعيدة كنجم ساطع فى سماء اللاشىء .. لا أستطيع أن أغمض عينى .. فقدت السيطرة عليهما تماماً,ولكن ما أدرانى أنها صافية؟ هل من الممكن أن تكون مثلنا؟ فنحن نشرب من نفس البئر ولو إختلفت أماكننا .. وإن يكن لن يحرمنى ذلك من متعة التخيل.
تختنق .. إنها تختنق داخل صندوقها الزجاجى .. أستطيع أن أراها وهى تصرخ .. تصرخ دون جدوى فلن يسمعا أحد.تحاول جاهدة أن تحطم الزجاج .. لكن الزجاج أصبح أقوى منها .. نما من سنين الوحدو والعزلة.
تصدع .. تصدع الزجاج وانا مندهش .. إنها تنزف الدماء من يدها ولا زلت مندهش .. أشعر بمعاناتها داخلى وأنا أتألم .. أوشك الزجاج على الأنكسار وأنا لا أتكلم .. تتساقط الدموع من عينى .. تتساقط فرحا لحريتها وحزنا لشقائها,أشعر بقلبى ينكسر قبل الزجاج .. تصرخ,تعوى,تتساقط دموعى .. تغضب,تُحطم,تتحطم ضلوعى .. تتألم,تبكى,ينفطر قلبى .. تهشم .. تهشم الزجاج..
تتحرك .. أصابع اليد الواحدة .. تتحرك أمام عينى يميناً ويساراً .. أعرف هذه الأصابع جيداً,إنها أصابعصديقى القصيرة الغليظة .. قال لى وهومبتسم ((إيه ياعم سرحان فى إيه؟)) , عادت نظراتى إلى الأرض مرة أخرى فوجدت الفتاة نائمة .. أقصد وجدت الدمية نائمة على الأرض.